ابن تيمية

33

منهاج السنة النبوية

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ مَنْ قَالَ : وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ نَفْسُ حَقِيقَتِهِ الْمَوْجُودَةِ ، إِنَّمَا هَذَا هُوَ قَوْلٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا جَعَلْنَا الْوُجُودَ عَامًّا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ ، أَوِ الْمُتَفَاضِلَةِ ( 1 ) الَّتِي تُسَمَّى الْمُشَكِّكَةَ ، وَقُلْنَا : إِنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ، وَقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ ، كَانَ النَّوْعَانِ قَدِ اشْتَرَكَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ ، وَهُوَ كُلِّيٌّ مُطْلَقٌ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ غَيْرُ الْوُجُودِ . فَمَنْ قَالَ إِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ : لَفْظُ الْوُجُودِ يَعُمُّهُمَا ، بَلْ يَقُولُ : هُوَ مَقُولٌ عَلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ . وَهَذَا غَلَطٌ ضَلَّتْ فِيهِ طَوَائِفُ ، كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ . بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ : لَفْظُ الْوُجُودِ كَلَفْظِ الْحَقِيقَةِ ، وَكَلَفْظِ الْمَاهِيَّةِ ، وَكَلَفْظِ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ ، فَإِذَا قُلْتُمْ : الْوُجُودُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ، أَوْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ - كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكُمْ : الْحَقِيقَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبَةٍ وَمُمْكِنَةٍ ، أَوْ إِلَى قَدِيمَةٍ وَمُحْدَثَةٍ ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ : الذَّاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا وَهَذَا ، وَالْمَاهِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى هَذَا وَهَذَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ : الشَّيْءُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ، وَقَدِيمٍ وَحَادِثٍ . وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُلْتُمْ : يَشْتَرِكَانِ فِي الْوُجُودِ أَوِ الْوُجُوبِ ( 2 ) ، وَيَمْتَازُ أَحَدُهُمَا

--> ( 1 ) م : وَالْمُتَفَاضِلَةِ . ( 2 ) م : فِي الْوُجُودِ وَالْوَاجِبِ .